• ×

08:33 مساءً , الأحد 25 يونيو 2017

ناصر بن عبدالله الحميضي
بواسطة  ناصر بن عبدالله الحميضي

عدت من العزاء أحتاج لمن يعزيني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.

.

.


لي زميل عمل ؛ نشأت بيننا و امتدادا للزمالة صداقة ومودة وألفة ، ترسخت أكثر بحكم التوافق في الكثير من الميول و ازدياد القواسم المشتركة مع طول المدة في تلاقينا واشتراكنا في هموم العمل نفسه التي تعمقها في القلوب عوامل ومنها التسامح والتعامل الحسن .
ولأن دوام الحال من المحال تغيرت طبيعة عمل كل منا فتفرقنا كل في مكان وبقيت المودة تحتل القلوب وذكراها لا تزال حية تتقد رغم مضي مدة والكل منا مشغول بحياته لا يرى الآخر ، انتزعنا من بعضنا ما انتزع غيرنا لكن حمل كل منا صورة طيبة عن زميله أو بالأحرى صديقه وشقيق مودته وأنسه وروح فرحه وسعادته.
أستعيد بين فترة وفترة ذكرى أيام مضت فكانت تحضر بكل فرح كما لو كانت للتو رغم مضي السنين .
ثم استسلمت للاعتراف والرضى بالواقع الذي لن يكون بعده أي تلاقي آخر في هذه الحياة إلا أن تكون صدفة مقدرة.
والكثيرون يعيشون مثل وضعي هذا ، يستحضرون صورا في ذاكرتهم لعلاقات مضت إلى غير رجعة حتى صارت القناعة هي رفيقتنا بأن نكتفي بما صار ونسلم بما عليه الوضع إلى درجة أن حضور المناسبات العادية التي تتكرر لا يهمنا حضورها لأنها أصبحت أو أصبح أكثرها بلا طعم ولا نكهة ولا مسك ختام.
قرأت عن زميلي خبر وفاة والدته ، ويبدو أنه لا أشقاء له ولا شقيقات وكان هو الوحيد في همه ومصابه ، فكان هذا الحدث الذي أقرأ خبره لا يعذر أحد تباطأ في الحضور من أجله وتعزية صديقه والوقوف بجانبه ولو بالمشاعر والترحم والعاطفة وإراحة القلوب الموجوعة بشيء من المواساة لمن يقدر على ذلك ويمتلك مثلها.
حضرت وأنا أستصحب في مخيلتي صورته التي بقيت في ذهني طيلة مدة الانقطاع الطويلة ، وكأني أراه يدخل ويخرج ويصعد وينزل ويتناول أوراق من هنا ويضعها هناك بكل حيوية ونشاط ، وتتعاقب في ذهني صور ابتساماته والتفاته لهذا وذاك ومساعدة هذا أو هــؤلاء وروح حيوية تسكنه مع أريحية يغمر الآخرين بها.
وصلت إلى مكانه وتفقدت الحضور بناظري وأسأل نفسي : أتراه ذاك الواقف هناك أم أنه الجالس هنا ، أو ربما هو ذاك القادم من بعيد ، وفي كل مرة أدير نظري أشعر بأنني مقبل على فرح بلقائه وحزن مع الأجواء الحزينة له، إلى درجة أن الوجل والقلق يغلب كل مشاعري ويرتسم عليها.
ثم وقع بصري على رجل أو بقية إنسان قد هد حيله وضعفت قوته وتهالك جسمه وشحب وجهه وغابت ابتسامته ورغم أنه هو صاحبي إلا أنه لم يعد هو كما هي صورته التي تركته عليها ، لقد تغير مع الأيام كل شيء فيه فلم أعد أطيق التقدم إليه بالروح المتماسكة التي أحملها لكي أعزيه ، وما حسبت لذلك الوضع والصورة حسابا في نفسي حتى أقوى على التماسك، وأصبحت في حاجة لمن يعزيني في مفاجأة رأيتها فيه ، وتملكني حزني عليه أكثر من تملك حزن الموقف الذي تلفنا ظروف الصمت المؤلم فيه.
إن أقسى وأصعب البكاء هو ذلك نعجز عن التعبير عنه فهو يخنقنا من الداخل لا يعلم به من حولنا ونبقى في كبت الصمت الموجع.
وقفت أمامه ووقف أمامي و الصورة الماضية المألوفة لدينا حضرت من زمنها البعيد و كل منا يحتضن الآخر بكلتا يديه في سلام أخوي حار لكن لكل منا مشاعره التي تخنق عبراته في حلقه بسببها ، هو يتوقع أنني حزين لموقف الحزن العام وأنا بالفعل كنت قبل الحضور كذلك ، ولكن صرت حزينا أكثر لرؤيته على حال لم أكن أتوقعها .
بقيت صامتا لا أدري ما أقول حتى التعزية لم أردد العبارات ، ولكنني بقيت بجانبه لعل من يعزيه بحكم معرفة سبب حزنه يعزيني أيضا فيجبر حزني الدفين الذي لا يعلم به أحد من الحضور رغم عناقهم لي وترديد كلمات العزاء جبر الله مصابكم وألهمكم الصبر .
كم منا حزين لم يجد من يعزيه لأنه لا يعرف سبب حزنه .

 0  0  229


جديد المقالات

بواسطة : محمد بن عبدالله الحسيني

. . . . . . مع شهر الخير والبركة لا بد أن نتذكر...


بواسطة : عبدالرحمن بن عبدالعزيز العيد

. . . . الى ذلك الطود الشامخ ..عزة وأنفه وقوة...