• ×

07:57 صباحًا , الجمعة 21 سبتمبر 2018

ناصر عبد الله الحميضي
بواسطة  ناصر عبد الله الحميضي

عقلك يكشفه حسابك ومساهمتك في مواقع التواصل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كانت المجالس العامة وكذلك الخاصة فيما سبق تعد أهم الأماكن التي يجتمع فيها الناس ، وفيها تدور الحوارات و والمناقشات والسوالف وكل يدلي بدلوه من قصة وقصيدة ورأي ومشورة ومقترح ونقد وفكاهة وجد وهزل ويأتي من الأقوال متزن و رزين و نحو ذلك مما غث وسمين .
وفي تلك المجالس يظهر كل على طبيعته بعد فترة من التلاقي وزوال الكلفة التي عادة تكون في اللقاءات الأولى أو الفريدة التي لا تتكرر والتحفظ فيها شديد ، ولكن بما أن المجالس واللقاءات فيها تتكرر ويندمج الحضور في أحاديث يومية تبدأ التلقائية ويكون كل متكلم على طبيعته التي ليس فيها تصنع ، فهذا صادق يروي الأخبار الصادقة ، وذاك يلفق أخباره وثالث يخلظ الظن بالحقيقة ومصدر للشائعة ومروج لها وناشر للفضيلة ومشجع لها ، ويظهر فيهم الموثوق في أقواله ، وأيضا منزوع الثقة ، ونظيف القلب وأسوده ، وصاحب النصح وضده ، وتبدأ تتشكل وفق هذا الاحتكاك والتفاعل شخصية كل منهم والمفهوم العام عنه ، وكأن تلك المجالس مفرزة تصنف الناس وفق عقلياتهم التي تظهر بعد مدة حيث يغرف اللسان من مخزون القلب ويذيعه وينشره ويبينه .
وهذا ما يكشف لنا سر معرفة أهل البلدان بعضهم ببعض وكما يقولون ( أهل قرية ، كل يعرف أخيه ) وبما خفي عن غيرهم ، فالمجالسة تكشف الأغطية وتزيل الأقنعة و تبين معادن الناس ، فإما أن يكون ذهبا أو نحاسا وحديدا ، وعند سؤالك عن فلان فإن الإجابة الصادقة تصدر ممن يجالسونه.
هذا إذا ما كان في زمن مضى ، ولكن الوضع اليوم تغير تماما فلم تعد المجالس قائمة تجمع كل الفئات ولا التلاقي في عصر السرعة والحركة الدائبة والانشغال ممكناً ، ولم يعد بعض الناس يراه أحد فضلا عن مجالسته والأنس بحديث معه ، لكن ظهرت المجالس الألكترونية والتقنية الحديثة ومواقع التواصل التي ضمت الشتات وجمعت المتفرق ، فكأنها شجرة حطت عليها طيور الصباح والمساء التي كانت تحول في فضاء الكون ، طيور تغرد هنا وهناك تعبر عن رأي وتنقل خبرا وتشارك برأي ومقترح.
إذا التاريخ يعيد نفسه والزمن الماضي يتكرر ولكن بصورة اخرى هي في نظرنا مختلفة ولكنها في الواقع متفقة مع الماضي ، فكان التلاقي السابق مباشرا بالأجسام والكلام والمشافهة والمباشرة والاشتراك في الزمان والمكان ، وأما اليوم فقد ابتعدت الأجسام وتفرقت وبقي كل شيء كما هو حيث التخاطب والحوار و عرض الأفكار والتفاعل وكأن المجموعة التي تباعدت مكانيا ، يجمعها مكان واحد ولكنه عبر الفضاء و على بساط الشبكة وساحتها ، عبر الأجهزة في عصر سادت وتسيدت التقنية، فالمهم إذا نتاج الأفراد لا أجسامهم ، فالعقل الذي يحرك كل هذا هو المهم ، لا الجسم ، فما يفرزه العقل و ينتج عنه يشكل صورة ذهنية عن صاحبه حقيقية تشير إلى صاحبها وتضعه في المكان اللائق به ، رفيع يناقش بروية وعقل أو همجي تدنو به أفكاره وتهبط بقيمته .
إن واقعنا اليوم الذي تحول إلى افتراضي رضي به الناس مجبرين بعد هذا التفرق الملحوظ

والخلاصة أن كل معرف واسم وحساب يحكم الجميع على عقل صاحبه بما يساهم به من معلومة ، فتنوعت العقليات وتنوع المطروح في الساحة العامة ومواقع التواصل الاجتماعي ، فكأنها اليوم مجالسنا بالأمس لكنها مجالس افتراضية تشبه الواقع ، ومن خلال حسابك ومشاركتك تعطي الصورة الحقيقية عن عقليتك.

 0  0  230


جديد المقالات

بواسطة : مي العصيمي

"صناعة الموت" مونسانتو من جديد إلى واجهة...


بواسطة : ناصر عبد الله الحميضي

لا يزال صوت أحمد اليماني الموزع للصحف اليومية...