• ×

05:54 مساءً , الثلاثاء 23 أكتوبر 2018

ناصر بن عبدالله الحميضي
بواسطة  ناصر بن عبدالله الحميضي

كنت أتحمل حرارة الصيف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أثناء حديثنا نستعمل في الصيف عبارة ( كنت أتحمل الحرارة ) وفي الشتاء ( كنت أتحمل البرد) عبارات نرددها ونروي مواقف بطولية حولها ، معتبرين أن ذلك التحمل ينفرد به أناس عن أناس وأفراد عن آخرين ، والصحيح أن جيل الأمس كلهم كانوا يعيشون عيشة الصبر والتحمل وقد تعودوا بل لا يعرفون بديلا عن حياة ألفوها وألفها آباؤهم وأجدادهم من قبل.
هــؤلاء الذين عاشوا في فترة سابقة في صراع مع الحر والبرد ، إما لقلة الملابس أو قلة وسائل التبريد والتكييف كانوا فيما مضى يتحملون درجات عالية من الحرارة ، قد تصل إلى 50 درجة ولا يشتكي أحدهم من سموم القيظ كما لا يشتكي كثيرا من البرد رغم رقة ملابسه ، وإن اشتكى فإنما يواسيه رؤية كل من حوله ويصبره أنهم كلهم مثله .
كان يتجول في البر أو بين النخيل ويطارد الصيد ويتتبع الطيور وقد يتناول طعام الغداء في عز الظهيرة تحت شجرة سلم شوكية في الصحراء الخالية من النبات ، وإذا تصبب العرق منه برد جسمه نسمة هواء جافة تشتاق لالتقاط ما علق بجسمه من بلل ، وقد يشرب من ماء ليس عذبا ومع ذلك لا يشعر بأنه ماء فيه مرارة ( هماج ) .
مرت الليالي والأيام وأحدنا يعيش على ذكريات الأمس تلك ويظن نفسه على الحال نفسها من الارتياح فيما لو بقي في أجواء حارة أو نام في ظل شجرة وقت القيلولة كما كان ينام سابقا وربما صدق نفسه وهو يروي للآخرين قدرته على التحمل .
لم يحسب حساب السنوات التي مرت عليه وهو يخضع لنمط معيشي مختلف و تغيرت حاله مع المستجدات وحبس نفسه بين المكيفات وابتعد عن تلك الأجواء الحارة وهرب إما لغرفة مكيفة أو بلاد جوها بارد وخضرتها دائمة وعمل في مكتب طيلة النهار بارد في الصيف ودافئ في الشتاء ، ولم يتوقع أنه صار شخصا غير ذاك الصبور اختلف كل شيء في حياته حتى ولو بقي يجدد ذكرياته خوفا عليها من النسيان ، لكن جسمه لا يتذكر الماضي ولا يهمه سوى الواقع فهو لا يحب الخيال ولا يعترف به ، فعلى ما عودت جسمك فإنه يعتاد لا على ما تمنيت له أن يكون .
قل أن نجد اليوم من يتنقل في سيارة بلا مكيف في عز الظهيرة ، بينما كان الأمر معتادا وطبيعيا فيما مضى فغالب السيارات بلا مكيفات ، فهواء النوافذ بعد فتح زجاجها يكفي لجعل السائق والركاب يستمتعون بأحاديث السفر وربما رفعوا ألحانهم بقصيدة كما لا تزعجهم أصوات الرياح حولهم حتى لو فقدوا بعضا من هدوء المكان أو كله فالمهم لديهم أن أحدهم يسمع صوت نفسه .
وإذا قلنا : اخشوشنوا فالمقصود أن لا تكون الحياة مخملية بدرجة لا يمكن التراجع من رقة العيش فيها ، فالأجيال التي تميل لمثل ذلك لا تقوى على عبور الأزمنة ، فمن الماضي البعيد نأخذ عبرة وصورة لما سيكون في المستقبل البعيد ، وهذا لا يعني أن يعيش الإنسان عيشة الضب حتى يخشوشن ولكن لا يعني أيضا أن يعيش عيشة الترف التي تنسيه حتى حياته الحقيقية ومستقبله فالتوازن في الحياة مطلب يريح النفس .

 0  0  289


جديد المقالات

بواسطة : محمد بن عبدالله الشايع

العين تدمع والقلب يحزن وإن على فراقك يا محمد...


بواسطة : ناصر عبد الله الحميضي

كل أرض في هذا العالم الفسيح تعد سكنا و وطنا...