• ×

10:12 صباحًا , الإثنين 18 فبراير 2019

عبدالعزيز عبدالله البريثن
بواسطة  عبدالعزيز عبدالله البريثن

الحضارة والحظيرة في أوربا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.

تظل المتناقضات مواقف فريدة من نوعها وبالتالي تبقى – في غالب الأمر – عالقة في الذاكرة لما لها من ترددات تشبه تلك الموجودة في الطبيعية والمعروفة في علم الصوتيات بالموجات والتي تقاس ذبذباتها بواسطة وحدة الهرتز (Hz).
حينما تتزامن المتناقضات فيما بينها سواء في المكان أو الزمان تكون أكثر قوة وإثارة. وهذا ما حدث في أحد اجازات الصيف وتحديداً في إسبانيا. ففي أحد الأيام الجميلة من تلك الاجازة ذهبت في الصباح الباكر إلى قصر الحمراء في مدينة غرناطة الأندلسية. كنت لا أعرف إلا القليل من الأسرار عن القصر الذي أستغرق تشييده أكثر من مائة وخمسون عاماً. وصلت إلى القصر الساعة التاسعة صباحاً، وفي كل ركن من أركانه وفي كل جزء من أجزاءه تعلمت درساً عملياً عن عظمة الحضارة الإسلامية وعمقها، بدءاً من النوافذ البالغ عددها بعدد أيام السنة (365) صممت بطريقة هندسية معمارية عجيبة لتشرق شمس كل يوم من أحدها بشكل منتظم يتسق مع دوران الأرض حول نفسها ومع دورتها السنوية حول الشمس. أما النوافير فقد ظلت إلى اليوم لغزاً حاضراً يحكي قصة تحدي يرويها تاريخ الحضارة الإسلامي منذ العصور الوسطى (القرن العاشر الميلادي). يروى أن الاسبان حاولوا معرفة لغز تلك النوافير التي تعمل بشكل آلي، حيث عمدوا إلى فك أحدها للتعرف على اللغز المحير والسر العجيب في آلية عملها ولكنهم أخفقوا في كشف السر، والأمّر من ذلك كله أنهم فشلوا في إعادتها إلى ما كانت عليه.

image

خرجت من قصر الحمراء قرابة الساعة الرابعة عصراً بعد ساعات من الانبهار والزهو المصحوب بشعور الحسرة إذ كانت مرثية الشاعر الأندلسي "أبو البقاء الرندي" حاضرة تتردد بأصداء حزينة:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ: :فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ: :مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ


أخذت قسطاً من الراحة في وسط المدينة مع وجبة طيبة، ثم ذهبت إلى حجز رتبه لي مسئول الفندق والذي كان عبارة عن تذاكر لحضور أمسية في ساحة أو حلبة مصارعة الثيران. دخلت المدرجات التي اصطفت بالآلاف من المشاهدين وقد اضفت الإنارة الفاتنة رونقاً وجمالاً على الساحة. ولكن ما ان بدأ العرض إلا وبدأ الغثيان لدرجة أني قررت الانصراف قبل انتهاء الأمسية، حيث عكس منظر طعن الثيران في أعناقها والدماء النازفة مشهداً همجياً رسخ روح العنف والإجرام الذي وضعني في " حظيرة " ثقافة أوربية تتناقض مع مشاهد صباح ذات اليوم.

image

مثل تلك المناقضة الشديدة تجعل المرء يستحضر الموقف بحيث تبقى الذاكرة تستنفر من قضية التدليس في وصف مصارعة الثيران على أنها فن من الفنون. مثل هذا الوصف الفني ليس بالضرورة أن يطوف على أصحاب العقول الذين يرون مصرع الثور في نهاية المشهد ما هو إلا ممارسة وحشية لا تمت للتهذيب بصلة. يدلل على ذلك أن بعض مؤرخي الغرب يحاولون التنصل من هذا الارث التاريخي على أن المسلمين هم من سنوا مصارعة الثيران. وبغض النظر عن مصداقية هذه الرواية أو صواب رد الإمام الشيخ أبو شكيب تقي الدين الهلالي – رحمه الله – عليهم في كتاب (مدنية المسلمين في إسبانيا)، يبقى التصحيح هو سيد الموقف وتبقى الحكمة هي ضالة المؤمن. من هنا ينبغي تذكير جيل الشباب بخطورة الاختطاف، ليس اختطاف البشر أو الطائرات، بل الأشد خطورة وهو اختطاف العقول. فالحذق لا يدع عقله عرضة للاختطاف والتحريك والتوجيه نحو أمور يريدها المختطف. فعقل الإنسان ملك له يفكر به بما أتاه الله من قوة وقدرة لينتقي من الحضارات ما ينفع ويبتعد عن مستنقع الحظائر وما تحتويه من منفرات وان كانت ممتعة. هناك الكثير من الأمور المنفرة "كالملاكمة" التي يصنفها الكثير على أنها رياضة لكنها في الواقع ما هي إلا مسرحية تحكي حالة رجل يضرب أخر حتى يلقيه صريعاً، ليس فيها أي لون من ألوان الرياضة أو المتعة. أليست هذه ظاهرة بشرية تستحق التمعن؟ هناك الكثير من العقلاء من يمقت مثل هذه الرؤى بل هناك من يزدري فكرة "حدائق الحيوان" التي هي تعبير عن أنانية الإنسان في حبس الحيوانات في أقفاص مدى الحياة على أمل أن تسنح فرصة الإنسان ووقته الثمين كي يزور الحيوانات مرة في حياته ليستمتع بمنظر الحيوانات وهي محبوسة في الأقفاص دون التفكير في معاناتها داخل تلك الأقفاص. أليست هذه تراجيديا أخرى صنعها الإنسان بعقله المبدع؟

 0  0  1.3K


جديد المقالات

بواسطة : الدكتور: عبدالعزيز عبدالله البريثن

. في أوائل التسعينيات من القرن الماضي ظهر...


بواسطة : مي العصيمي

. يبدو أن عاصفة الإغتيالات للنشطاء الحقوقيين...