• ×

12:28 صباحًا , الخميس 20 يونيو 2019

عبدالمجيد إبراهيم اليحيى
بواسطة  عبدالمجيد إبراهيم اليحيى

صور من حياة : فيصل بن مبارك المبارك

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.
.
.

image

.صور من حياة : فيصل بن مبارك المبارك

1391 — 1440 هـ

" أيقونة النُبل و الأخلاق "

( 1 )

قبل حوالي ثلاثين سنة ، أضفت لقائمة أصدقائي صديقاً جديداً ولكنه ليس كبقية الأصدقاء .. في كل يوم أكتشف منه خصلة فريدة ، وفي كل ليلة أرى فيه سجيّة جديدة ، توثقت علاقتي به بعد زمالتنا في الكلية فصرنا روحاً واحدة في جسدين ، والله ثم والله ما أذكر أنني رأيت منه كدراً ولا جفاءً ولا عِتاباً ولا زعلاً ولا غلظة طيلة ثلاثين سنة - وحتى لا أحنث في يميني سأذكر لكم لاحقاً الموقف الوحيد الذي لم أعتده منه - كان أبو فارس رحمه الله صاحب المعروف دائما فلم أرَ منه إلا ما يسرّ النفس ويبهج الروح ، ويُسعد الفؤاد ، ورغم أن رياح العتاب والجفاء تعكّر العديد من العلاقات الإنسانية إلا أننا ولله الحمد لم نعرفها ، ولم تشب صداقتنا أية شائبة ، وذلك لما يتمتع به فقيد العمر من نقاء وصفاء وسماحة .


( 2 )

كنا نلتقي في اليوم عدّة مرات منذ ذلك الحين ناهيك عن ملازمتنا لبعض في الكلية وفي السكن الجامعي وبعد ذلك في المدرسة فلا نكاد نفترق إلا ونلتقي مرّة أخرى ، حتى أنني أتذكر لما كنا في السكن الجامعي كنت أضع له مفتاح غرفتي ( 216 ) تحت باب غرفته ( 117 ) وأكتب له ورقة مع المفتاح ( لا تستحي تعال نم عندي ونطلع للكلية مع بعض ) وذلك لمعرفتي بخوفه الشديد من أن يكون ثقيلاً على أحد ، فأكتب له ذلك لكي يطمئن بأنني أنتظر مجيئه وأن ذلك سيزيدني سعادة وبهجة ..
وقد كان رحمه الله يذكّرني بقصة المفتاح والورقة قبل رحيله بوقت قصير .

( 3 )

كانت ظروف الحياة كريمة معنا ، ولم تفرّقنا بعد الجامعة كحال الكثير من الأصدقاء بل إننا تخرجنا من الجامعة معاً، ثم عملنا كمعلمين في مدرسة حصيدة في محافظة القريات معاً ، وبعدها انتقلنا إلى مدرسة المحـمدية في محافظة الدوادمي، ومنها إلى مدرسة لبخة في محافظة شقراء ، ثم مدرسة حويته ، وكأننا نعمل على رقم وظيفي ٍ واحد !
ولكن حدث مالم يكن في الحسبان ، حيث صدر قرار نقل أبو فارس وكيلاً لابتدائية الوقف بالقرائن وبقيت في مدرسة حويته لوحدي رغم كثرة الزملاء حولي ، ولحسن حظي أن هذه الوحدة لم تستمر إلا شهرين فقط وبعدها انتقلت إلى ابتدائية الوقف وعادت الأمور إلى نصابها ، ثم تسنّم أبوفارس إدارة المدرسة عام 1423هـ واستمرينا بنفس المدرسة منذ عام 1419هـ وحتى يوم الأحد 3-7-1440هـ عندما خطفته يد المنية .. كانت ظروف الحياة لطيفةً معنا طوال هذه السنين .. ولكنها فرّقتنا على حين غرّة ، فرٌّقتنا بقسوة شديدة ، فرّقتنا فراقاً لا لقاء بعده .. وصدق الشاعر :
" نبكي عَلى الدُنيا وَما مِن مَعشَرٍ . . جَمَعَتهُمُ الدُنيا فَلَم يَتَفَرَّقوا "

( 4 )

لكم أن تتخيلوا مرات التلاقي بيننا في هذا التاريخ الوظيفي الطويل ، ثم أضيفوا عليه تلاقينا خارج المدرسة الذي يعدل ذلك ويزيد ، حيث يتجلى فيه أبوفارس بشخصيته الفذّة بكل ما يحمله من روحٍ طيبة معطاءة كريمة رفيقة مرحة بشوشة متسامحة .
وسأنقل لكم صوراً من حياته لتعلموا أيّ رجل ٍ فقدنا ،

( 5 )

كان رحمه الله مدرسة في مقابلته للآخرين و التواصل معهم ، ولم أشاهد في حياتي مثيلاً له في هذا الجانب، كانت ابتسامته الجميلة عنواناً له ، تأسر كل من يقابله و تبعث في نفسه الراحة والطمأنينة .. كان لطيفاً في تعامله مع الجميع لا تفارقه هشاشته ولا بشاشته في جميع الظروف وفي أقسى حالاته الانفعالية وتحت أي ضغط !

كان رحمه الله مدرسةً في الرجولة بكل ما تحمله من قيَم ، يبذل كل جهده في سبيل خدمة الآخرين و " توجيبهم " وضيافتهم بكرم ٍ كبير ومن غير تكلّف ، ما رأيته قط رد أحداً في طلب أو مسألة ، إذا رأى منه صدق الحاجة ، ناهيك عن المحتاج أو المنقطع أو الضعيف فقد كان بلسماً لطيفا لجراحهم .

( 6 )

عندما أستحضر قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم ": ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " تتراءى لي صورة أبو فارس رحمه الله فقد كانت لديه قدرة عجيبة وملفتة للنظر في ضبط النفس واستيعاب متقلبي المزاج وغليظي الطباع وأرباب الصلافة والجلافة ؛ قدرةً لم أرها في أحد غيره ، وقد كانت سمةً بارزة في شخصيته المدهشة.

( 7 )

أما في تعامله مع أبنائه ( شفاهم الله ) فقد كان رحمه الله يتمثل هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في تلطفه معهم ، كنت أرى خطابه معهم منهج حياة ، ونصائح قيّمة مغلفة بالحنان واللطف ، تكاد ترى الرحمة تتدفق من حديثه لهم ، واحتوائهم بكل حنوّ وأبوّه، كان رحمه الله ملازماً لأبنائه ومصاحباً لهم فكان يمارس كل هذا الحنان و اللطف مع أبنائه في كل حين وفي كل مكان متمثلاً هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( خيركم خيركم لأهله ... ) الحديث . لم أره في حياتي يقسوا عليهم بكلمة أو عقاب ناهيك أن يضربهم أو يسمعهم كلاماً بذيئاً تمقته الأسماع ، بل يعاتبهم بمقدار حجم الخطأ بكل رقيّ فلا يسمعون منه ما يكرهون، وعندما يكبر الخطأ يلجأ للمقاطعة حتى يندمون ويعودوا مُخبتين معتذرين يطلبون الصفح والسماح ، فيحتويهم مرة أخرى بعطفه ولطفه .. وكأنه يُعدّهم ليكونوا امتداداً لمدرسته الأخلاقية الرائعة .

( 8 )

مثلما كان أبا فارس أباً لطيفاً وحنوناً ، كان كذلك زوجاً يفيض بالرقي و الاحترام والتقدير ولم تكن شريكة حياته بنت الأكرمين ( أمل بنت عبدالعزيز المبارك ) رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى بأقل حظاً منه في ذلك، كيف لا وقد أسماها في جواله بـ (الملكة ) كان رحمه الله يثني عليها دائماً ولا يذكرها إلا بخير ، ولم أسمعه قط ينتقد تصرفاً قامت به أو يتأفف من موقفٍ حصل منها بل كان يحترمها أيما احترام ويثني عليها وعلى حسن تعاملها معه ، كان أبوفارس يساعدها في أعمال المنزل ، فكم من مرة يرد على اتصالي وهو يضحك ويقول ( أنا في المطبخ الآن ) . وكان يرد على اتصالها وهو بين زملائه وأصدقائه ولا يقوم من مكانه كما يفعل الكثير من الرجال، بل يتحدث معها في مجلسه على سجيته بكل أريحية وهدوء ولطف و حنان .

( 9 )

كان في المدرسة يحادثني كثيراً ويقول : ( والله ما أخاف من الموت، ولكن أخاف على هالصغيّرين ويشير بإصبعه على رأس ابنه عبدالمجيد وهو يحتضنه.. من يدبرهم ويسنعهم ؟) يا لفظاعة الصورة يا أبا فارس ، لم ترحل لوحدك بل أخذت أم فارس معك ، كنت هينا ليناً إلا في رحيلك ، قسوت علينا أيما قسوة وكسرت قلوبنا أيما انكسار ولكن الحمد لله على كل حال
هي الدُّنْيا تقولُ بملء فيها ... حَذارِ حَذارِ من بَطشي وفَتكي
فلا يغرركم حُسْنُ ابتسامي ... فَقولي مُضْحك والفعلُ مُبكي
هي الدُّنيا أشبهها بشَهْدٍ ... يسم، وجيفةٍ طُلِيَتْ بمِسْكِ
هي الدُّنيا كمثل الطِّفلِ، بينا ... يقهقه إذْ بكى من بعد ضحكِ

ولكن لا تقلق يا صديقي فـ الله لطيفٌ بعباده سيرعاهم ويحفظهم ويسعدهم ، ثم إن لهم أعمام وعمات وأخوالٌ وخالات وفوقهم والدان حنونان ( أطال الله في أعمارهم ) تتعب الحروف في الثناء عليهم ، ومن كان هؤلاء أهله وذووه فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون بحول الله وقوته ..

( 10 )

كان من حسن تعامله رحمه الله ولطفه أنه يلتمس الأعذار لمن يخلف موعداً معه أو يتأخر عليه ؛ فكان يقابله بوجه مبتسم ويبرر له بقوله : ( لعلك انشغلت بكذا .. أو لعلك ارتبطت بكذا.. أو لعلها راحت عليك نومة ؟) يبرر لنا ونحن من يتوجب علينا التبرير و الاعتذار ، يا له من خلق رفيع وتعامل بديع لا يستطيعه إلا أصحاب القلوب الطاهرة والنفوس الزكية.

( 11 )

كان رحمه الله لا يتجاهل أحداً في مجلس يُدعى له ؛ يسلم على الجميع الصغير والكبير القريب والبعيد ،يصافحهم جميعاً ويبادرهم عند دخوله بقوله: ( والله ما تقومون )،كان هذا ديدنه مع كل من يقابله في المسجد أو السوق أو الشارع يتحدث معهم بلطف وأدب ويسأل عن أحوالهم ويبدي لهم استعداده لمساعدتهم ، فكم من حاجة سعى فيها حتى أنجزها لصاحبها ، يتواصل مع من يعرفهم في المؤسسات الحكومية ليشفع لأحد أو يلتمس له العذر أو يسعى لإنجاز معاملته ، كان لا ينهي مقابلته بأحد إلا وقد امتلأ قلب من يقابله حباً وتقديراً وإعجاباً به من طيب سلامِه وحُسن كلامِه وبشاشة محياه .

( 12 )

ومن صور حسن معشره وكرمه كنا عندما نجتمع في (مزرعة الجلال) عند صاحب الجود و الكرم عبد الملك أبوهشام ، أو في ديوانية الكريم أبوصالح الشيحة أو في أي مكان آخر ،، يندر أن يدخل علينا الفقيد خالي اليدين بل يُحضر من بيته ماتجود به نفسه مما لذ وطاب من الطعام ويكثر التلزيم والإلحاح ويشرع في ضيافة الحاضرين بما جاء به .
كان من جوده وكرمه أنه يتعاهدنا من حين لآخر في المدرسة وخارجها بما تصنعه أم فارس رحمها الله ويقدمه لنا ويقول: (والله ما أعدّكم إلا إخواني ) ويشرع في توزيع الطعام،ويلح علينا في تناوله بكل ذوق و رقي ويتفقد من لم يره من الزملاء ويذهب للبحث عنهم في أرجاء المدرسة ولا يعود إلا وهو ممسكٌ بأيديهم لكي يقوم بضيافتهم ..

( 13 )

وعلى الرغم من علو مكانته بيننا وشرف مقامه فهو قائد المدرسة ومن عائلة كريمة عرفت بالعلم و الفضل و المكانة الاجتماعية الرفيعة عُرف عنه عند أصدقائه القريبين في غالب الأحيان أنه إذا كان هنالك وليمة أو اجتماع لغداء أو عشاء يتولى كل أمر الإيلام فيجهز له بنفسه ويستعد طوال وقته ويعمل جهده على تلبية رغبات أصدقائه حبا لهم ورغبة في إسعادهم بروحٍ سمحةٍ طاهرة لا يعرف الكبر لها طريقاً ، كل هذا الجهد و الاحتفاء وهو ليس بالمضيف بل هو في قائمة الضيوف ، من مثل أبو فارس في طيبه وعطائه وتواضعه ؟!!

( 14 )

ولأن الوفاء من صفاته الأصيلة فقد كان فيصل رحمه الله حسن العهد بأصدقائه وزملائه القداما..
اسألوا عنه زملائه في محكمة شقراء حيث كان يعمل قبل التعليم كيف كان خلقه معهم ولين جانبه وحسن تعامله ، كما أنه رحمه الله لا يقطع تواصله مع أصدقائه خارج المحافظة في حريملاء و سكاكا والقصيم و الدلم اسألوا عنه أحمد الحسين جارهم في الباطن ومنصور الكريع زميلنا في القريات و فهاد الهذيلي زميلنا في الكلية وعبدالعزيز التركي جاره في السكن الجامعي وغيرهم الكثير ممن كان لهم مواقف في حياته يبحث عنهم و يراسلهم و يهاتفهم ولا يتذكر من مواقفهم إلا الجميل ..اسألوهم عن طيب معدنه ، وكريم أخلاقه ، ونبل وفائه..

( 15 )

أما عن صلته للرحم فدائماً ما أسمعه يقول : ذهبنا للغاط أنا و الوالد .. ورجعنا من اجتماع في حريملاء.. وتعشينا في الرياض مع الحمولة.. وكلها زيارات لأبناء عمومته وأقربائه ولا يكاد يمر شهر إلا وأسمع منه مثل ذلك .. أما مرافقته لوالده الكريم حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية فهي تُدرّس في منهج أخلاقيات البرّ بالوالدين ،فقد كان رحمه الله رفيق والده في حله وترحاله ، في ذهابه وإيابه ، في كثير من المناسبات، في الأفراح والأتراح فكثيرا ما يقول لي ذهبت أنا و الوالد ورجعت أنا و الوالد ، كان رحمه الله لا ينقطع أبداً عن زيارة والديه في منزلهما كل يوم ولا يشغله شاغل عن ذلك بل ويصحب معه أبناءه، ويبادل والديه أطراف الحديث ويبحث عن الأخبار التي تسرهم ، وعندما يجلس مع والده على مائدة ينتقي أطيب مافيها ويتحرى مايحبه والده ويقدمه له ..


( 16 )

وعن علاقته بأهل زوجته رحمها الله ، فقد كان أشبه بالابن البارّ لهم ، محبةً وتقديراً واحتراماً ، كان يزور عمه الشيخ عبدالعزيز المبارك في الطائف من حين لآخر ويصحب معه أبناءه رغم طول الشِقة ، وزيادة المشقة ، وكانت زيارته كالمطر فلا يذهب صفر اليدين أبداً، بل يعرّج على سوق الخضار ويأخذ أجود منتجات شقراء من تمر وفلفل و ورقيات ولحوم وغيرها ، وكان دائماً يقول لي عمي عبدالعزيز يحب كذا وكذا . حتى أن أحد الزملاء سأله ذات مرة لما رأى سيارته مليئة بالخضروات وهو يتجهز للسفر للطائف قال: (أنت فاتح محل في الطايف يا ابوفارس !!؟) ، فالتفت إليه وهو يتبسم وداعبه بقوله ( أنت و شلونك بس ؟) .

( 17 )

كان رحمه الله يتعامل مع العمال و الوافدين بكل لطف واحترام وتواضع ، يعطيهم حقوقهم الإنسانية قبل المالية ، وخير دليل على ذلك ما باح به عامل المدرسة ( كمال ) عندما سألته وأنا أريد إبراء ذمة صاحبي قلت له : " هل لك حقوق مالية لدى أبو فارس " دمعت عيناه وقال بصوت متهدّج ونبرة حزينة متكسّرة : ( أنت ما في معلوم أبوفارس .. أبوفارس يعطي زيادة .. أبوفارس إذا أنا روح إجازة كل مره يتصل علي في بنجلاديش ويسأل كيف أنا وكيف بزورة ويقول تبغى فلوس يا كمال وإلا حاجة مساعده كلمني .. أبوفارس مافيه سيم سيم نفر والله )، وكان هذا العامل بالمناسبة من آخر من انصرف من عند قبره رحمه الله وكانت عيناه تفيضان بالدمع مما عرف من حسن خلقه وتعامله رحمه الله.. وأجزم كذلك أن
( أبومصطفى ) عبدالرزاق المصري رفيق أبوفارس في الورشة يخفي في ذاكرته عدداً من المواقف الناصعة مع الفقيد ، وقد ذهبت للسلام عليه وتعزيته فما سمعت منه إلا الدعوات الصادقة وحسن الذكر و التوجد عليه ، يقول عبدالرزاق فُجعت بالخبر وأنا خارج الورشة فعدت إليها مسرعا لعلي اجد خبراً يكذّب ذلك ثم أردف قائلً بلهجته الشعبية البسيطة (والله يا عبدالمچيد إني ادّاري عن اللي عندنا في الورشة وأبكي في المطبخ وابكي هنا وأبكي هنا ) وحقاً لا تلام على ذلك فقد جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها.

( 18 )

ومن الوفاء لهذا الفقيد الغالي أردت أن أبرئ ذمته عند من يتعامل معهم فتحريت في الأمر وبدأت بمحلات قطع الغيار لأن أبوفارس مولع بميكانيكا السيارات فقررت أن أذهب لتلك المحلات و أسأل إن كان هناك فواتير أو حسابات لم تدفع بعد .. وكلما دخلت محل وسألت عن ذلك تبسم صاحب المحل تبسماً حزيناً وتأسّف على وفاته ودعى للفقيد من قلبه وذكره بخير وترحم عليه وذكر موقفا مشرفا للفقيد حصل معه ، أما صاحب أحد المحلات عندما سألته إن كان هنالك حساب أو فواتير للفقيد قام من مكانه وقال ( حتى لو كان هناك شي .. الله يحلله من ذا للسما ) وصار يرددها بصوت مرتفع جدا حتى خرجت شاكراً نبله وفضله وطيب مشاعره .
ورغم كثرة المحلات التي كان يتعامل معها فلم أجد عليه أي شيء ولله الحمد ، بل كان صديقي مؤديا يعطيهم حقوقهم أولاً بأول ، ولنا أن نتصور جمال ردود الأفعال هذه التي تخفي في داخلها عاطفة إيجابيه تجاه الفقيد رحمه الله هل ستكون لشخص غليظ أو فضّ وبذيء لسان أو مماطلٍ في أداء ؛ لا والله لن تكون إلا لصاحبنا الحبيب أبوفارس صاحب السجايا الحميدة و النفس الكريمه و الكف الندي .. وعندما ذهب أحد الزملاء إلى (أسواق العنبري) يسأل عن فواتير المدرسة التي سُجلت بأسم أبوفارس وجدهم يبكونه كما نبكيه ويرثونه كما نرثيه بالرغم من أنه لا تربطه معهم الا علاقة البيع والشراء ولكن صاحبنا وصل الى قلوب هؤلاء المغتربين وكوّن معهم علاقة ً وثّقتها الأخلاق الحميدة، والنفس الكريمة، والكف الندية..

( 19 )

أما عن التفاصيل الصغيرة التي يمارسها أبوفارس في جلساته والتي تعكس نقاء سجيته وصفاء نفسه فقد كان رحمه الله يجلس حيث انتهى به المجلس وما رأيته قط ضايق أحداً أو زاحمه في مكانه ، يحرص رحمه الله بأن يكون المجلس الذي يحضره مريحا للجميع وإذا أحسّ بأن أحداً لم يرتح في جلسته قام بنفسه وأحضر له ما يتكئ عليه او يسند ظهره إليه ، ما سمعته أبداً مازح أحدا بقسوة أو تجاوز الحد في ذلك ناهيك أن يضايق أحد الجالسين بكلمة واحدة أو يناديه بما يكره أو يتكلم بكلام نابٍ أو بذيء . كان رحمه الله كثيراً ما يُلح على أصدقائه الذين على سفرة الطعام معه ويشير الى قطعة طعام في الصحن (خضار أو لحم ) ويقول ( اشتهيت هذه لك ) أو ( خذ هذه علشاني ) ويحرص على أن لا يلمسها بيده الا إذا اضطر لذلك يريد أن يسعد من حوله ، بل وربما قام من سفرته إلى السفرة المجاورة وهو يحمل جزء من الطعام ليقدمه لهم إكراما لهم ولعلمه بأن ذلك يسعدهم . هذه التفاصيل الصغيرة تعكس لنا شخصيته الطيبة الطاهرة المليئة بالحب للجميع .

( 20 )

كان رحمه الله ملاذاً آمناً لمن قست عليه دنياه من أصدقائه وتكدّر عيشه وتخطفته الاضطرابات النفسية ، أذكر أن أحد الأشخاص الأفاضل كان يعاني شيئاً من ذلك وكان يستخدم العلاجات النفسية، حتى أوى إلى أبي فارس رحمه الله فاستوعبه وصدق في نصيحته وتلطف معه وتحمل تقلبات مزاجه وفتح أبواب الأمل أمامه فصار الرجل يرتاد ابوفارس كل يوم فترة طويلة من الزمن لما وجد عنده من راحة بال ولطف حديث وترويح عن ما يحس به من ضيق واكتئاب.

( 21 )

أما عن ذكرياتنا في القريات فهي كثيرة ومنها أننا في كل نهاية أسبوع نذهب إلى عَمّان 120 كم وفي الطريق نمر ببلدة الأزرق داخل الأراضي الأردنية ونجد على قارعة الطريق بعض الباعة ومن بينهم طفل صغير يقال له محمد نحيل الجسد،رث الثياب،يفيض وجهه بالبؤس.. وكان يبيع الشريك (القرصان) الذي صنعته والدته في المنزل،فتوقفنا عنده،وألح علينا أن نشتري منه،فأشفق عليه أبو فارس واشترى كل ما معه بعد أن علم أن أسرته محتاجه،فسُرّ الطفل بذلك أيما سرور وتهللت تباشير وجهه ، فصرنا نتعاهده بذلك في كل ذهاب ٍ وإياب، نجده في نفس المكان وكأنه يعرف وقت قدومنا ، نتوقف عنده ويشتري منه أبو فارس كل مامعه رغم عدم حاجته إليه ويجزل له في الثمن ، ويهديه أيضاً بعض البسكويت والحلويات ، فصار يتحرى وقت مجيئنا ويبادرنا بابتسامة سعادة كلما أقبلنا عليه .

( 22 )

سجايا أبو فارس رحمه الله لا تقتصر على حسن الخلق،والتواضع،والنبل و الكرم فحسب بل كان محباً للفكاهة والدعابة وكان يمتلك روحاً مرحه ، ومن ذلك أننا أيام الجامعة كنا نعتمد على المكافأة الشهرية فتأخرت علينا حوالي 4 أشهر فشقّ ذلك علينا ، ففكرنا في حيلة ناجعة لعلها تحث المسؤولين في الكلية على المسارعة بصرف المكافأة ، فقمنا بطباعة ورقتين مكتوب عليهما ( سيتم صرف راتب شهر ..كذا ..وكذا ..في يوم الأحد الموافق ..... ) ووضعناها في لوحات الإعلانات الخاصة بالكلية في نهاية الدوام ، وخرجنا مسرعين من الكلية ، وفي صباح الغد تفاجأنا عند دخولنا للكلية بطابور طويل من الطلاب ينتظرون المكافأة الموعودة في لوحة الإعلانات،ومسؤول شؤون الطلاب الاخ الفاضل أحمد الشريف في وضع لا يُحسد عليه ، قد خلع شماغه ووضعها على مكتبه وطفِق يصرخ بصوت ٍ مرتفع ويقول إنها إشاعة و الخبر غير صحيح .. ويردد (مقلب مقلب ياجماعة) .. ومضينا من أمام هذا الزحام مسرعين إلى قاعة الدرس لا يسبقنا إلا ابتسامة الرضا.. وبالمناسبة لم ينتهي الأسبوع إلا وقد صرف لنا مكافأة شهرين ولله الحمد .




( 23 )

أما الموقف الذي قلت بأنني لم أعتده من أبي فارس رحمه الله هو في الحقيقة موقف بسيط جداً ويحصل في كل العلاقات و النقاشات وأثق أن الجميع سيقول موقف ( عادي ) ولكن من يعرف أبوفارس و ولطفه وحسن تواصله سيعلم بأنه في هذا الموقف كان فيه على غير عادته ، كان رحمه الله يهتم بموضوع كروية الأرض والنقاشات حولها ويقرأ ويستمع ويشاهد في ذلك الموضوع الكثير ، ذات يوم في المدرسة كنت عنده في المكتب ودار نقاش حول ذلك وكان يحفظ الأدلة ويستحضرها بشكل أفضل مني ودائما يتفوق علي في ذلك وفي هذه الجلسة كنت التزم الدليل المنطقي و العقلي أما الحفظ فلا أجيده ولعلي تفوقت عليه هذه المرّة وسددت عليه ثغرات كان ينطلق منها في الحوار وأكثرت عليه فالتفت إليّ على غير عادته وقال بصوت حازم ( أنت تبي ترفع ضغطي بس ) فأجبته ب ( لا ) فقط .. ثم أقفلنا الموضوع وخضنا في أحاديث أخرى غير ذلك . هذا هو الموقف ببساطة ، وسيستغرب العديد من إفراد هذا الموقف وسرده في هذا السياق وسيقول ما الغريب في ذلك ؟ الغريب يا إخوة هو أن هذا الأسلوب ليس من عادة أبوفارس في الحوار والتواصل وليس من عادته أن تكون ردة فعله بهذه الطريقة وهذه شهادة له لا عليه حيث عرف عنه سعة الخاطر و رحابة الصدر .

( 24 )

وبعد كل هذا لاغرابة أن يقع عليّ خبر وفاته كالصاعقة .. نعم إنه أقسى خبر سمعته في حياتي .. كان لون ذلك الصباح حالك العتمة،وكأنه استلف من الليل كل مايملكه من سواد .. أما عن التفاصيل فبعد صلاة الفجر توجهت إلى فراشي لآخذ قسطاً من الراحة قبل المدرسة، وكنت حينهاً في شوق لرؤية أبو فارس لأن آخر عهد لي معه هي صلاة الظهر في المدرسة يوم الاثنين حيث استأذنت منه يومي عمل للذهاب للرياض لقضاء لزوم لوالدتي شفاها الله ، ولسوء حظي تناولت الجوال وفتحت الواتس أب وشاهدت إشعار إحدى الرسائل يبدأ بـ( إن لله وإنا إليه راجعون) فتساءلت من هو الميت؟ سأفتح الرسالة ربما أنني أعرفه.. ولم يدر بخلدي ما سأقرأ.. فتحت الرسالة ونبض قلبي يسابق نظراتي ووقعت عيني على(فيصل بن مبارك المبارك وزوجته)... يا للفاجعة.. تسارع نبض قلبي، وارتعدت يدي، وأخذت الدنيا تدور أمام عيني .. أغلقت الجوال قبل أن أكمل الخبر .. توقف عقلي عن التفكير، وتمثلت قول المتنبي :
طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ .. فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ
حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً .. شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي
نعم والله .. شرقت بالدمع ..ثم خرجت مسرعاً من الغرفة وكأنني أريد أن أهرب من الخبر إلى مكان آمن .. ولكن إلى أين ؟ رجعت مرة أخرى .. والذهول يملأ كل الأرجاء..ناديت زوجتي بصوت مثقل بالألم والأسى ..وعندما أجابت قلت لها: ( فيصل ماااااااااااااااااات )
ثم استلقيت على ظهري،ولجأت إلى الله سبحانه ذاكراً مسترجعاً .. وفي هذه الأثناء جاءت مسرعة تريد أن تقرأ الخبر لتتأكد ، فرفضت حتى أتعلّق بشيء من الأمل.. لازلت أرى بصيصاً من النور ، لازال صوت في رأسي يقول : بقي على طابور المدرسة نصف ساعة ، سوف تذهب وتجد أبوفارس هناك ، سيستقبلك بابتسامته المعهودة ، ستسلم عليه ، وتعانقه..وتقول له: (الحمد لله على السلامة )!! وفي خضم هذه الخواطر ، تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ) فقطعت كل هذه الهواجس بذكر الله .. والرضا بما قضى وقدر ..

( 25 )

وبعدها استجمعت ما تبقى لي من قوة وأخذت الجوال ودخلت على نظام الإرسال في المدرسة وكتبت هذه الرسالة لأولياء الأمور :
( إنا لله وإنا إليه راجعون ..
ننعي إليكم وفاة مدير المدرسة المربي الفاضل الأستاذ فيصل المبارك رحمه الله
لذا نرجو عدم حضور الأبناء للمدرسة هذا اليوم لعدم قدرة العاملين في المدرسة على أداء مهامهم بسبب هذا الظرف ).. لم أكن أتخيل أبداً أنني سأنعي أخي أبو فارس في يوم من الأيام ، فضلاً على أنه ليس من عادتي ابداً نقل الأخبار الحزينة ، ولكن هول المصاب وعظم الواقعة ومعرفتي بمكانة أبوفارس في قلوب زملائه وطلابه في المدرسة أجبرتني على تحمل المسؤولية والتصرف بما يجب أن يكون في هذا الصباح الكئيب و اليوم العصيب.. و الحمد لله رب العالمين فله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بمقدار .

( 26 )

بقدر ما كان أبو فارس رحمه الله ليناً في حياته.. بقدر ما كان قاسياً في فراقه ..
في يوم رحيله انتزع معه كل القلوب التي كان يربّت عليها كل يوم ..انتزع معه أرواحنا .. انتزع معه الكثير من جمال هذه الحياة .. ولكن عزاؤنا أن الدنيا ممر .. وأن شهداء الله في الأرض قد شهدوا له بكل ما يسرّ ..
كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء في المدرسة عن أبوفارس وعن سجاياه فقادنا الحديث إلى جنازته المهيبة فقلت : ما شاء الله ما رأيت مثل هذه الجنازة في شقراء فقد بلغ عدد المصلين الآلاف ، وذهل الجميع من كثرة الحضور، ولا مثيل لها في ذلك إلا جنازة الشيخ عبدالله البخيتي (أبوعبدالعزيز) رحمه الله فتبسم صاحبي وقال البخيتي ما يعرف يقول لا ) إشارة منه الى سماحته و لين جانبه وكرم أخلاقه ، حين ذلك أيقنت أن من أراد أن تكون له مثل هذه الجنازة فليلزم ما لزمه الرجلان من حسن الخلق ولين الجانب وطيب النفس وحب المساكين ..
اللهم اغفر لأبوفارس وارحمه واجمعه بزوجته وابنته نورة في جنات النعيم على سرر متقابلين .. وألبس أبناءه لباس الصحة والعافية .. واربط على كل القلوب الموجعة
وحقّ لي أن أردد مع بن زيدون وأقول :

وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا..
فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا

بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا..
شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا

نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا،..
يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا

حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا، فغَدَتْ..
سُوداً، وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا


و الحمد لله رب العالمين

...
كتبته بعد مضي شهر من رحيله
عبدالمجيد بن إبراهيم اليحيى
3 - 8 - 1440

بواسطة : admincp
 1  0  3.5K


الترتيب بـ

الأحدث

الأقدم

الملائم

  • إبراهيم الدايل

    رحمك الله أبافارس، وجزاك الله خيراً أستاذ عبدالمجيد على وفائك.

    09-04-2019 12:12 مساءً

    الرد على زائر

جديد المقالات

بواسطة : محمد بن عبدالله الحسيني

. . . . . . . العنصرية والكراهية داء منتشر بين...


بواسطة : عبدالله عبدالرحمن الغيهب

. أدري أن هناك تباين بين البشر في التفكير...