• ×

10:34 صباحًا , الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

د. عبدالعزيز عبدالله البريثن
بواسطة  د. عبدالعزيز عبدالله البريثن

كورونا تكشف حقيقة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.
منذ أن بدأت جائحة كورونا وهي تكشف الأقنعة عن بعض الحقائق، سواء في المجال السياسي، أو في الحقل الطبي، أو داخل الميداني التجاري والاقتصادي. من هذه الحقائق واقع "التعليم عن بُعد" (أونلاين)، الذي كان ينادي به البعض، خصوصاً في المجتمعات الغربية، حيث تفشى هذا النمط من التعليم بفضل ظهور الإنترنت أواخر القرن الماضي (1980م – 1990م)، على أن الحافز الأقوى الذي يقف وراء "التعليم عن بُعد" يتمثل في نزعة اقتصادية بحتة، هدفها تحويل العملية التعليمية إلى صفقة تجارية. ومن باب الأمانة لابد أن نتذكر الغاية النبيلة التي ظهر من خلالها "التعليم عن بُعد" خلال القرن التاسع عشر، والمتمثلة في خدمة أولئك الذين يعيشون في مناطق نائية، كمناجم الفحم والغابات البعيدة عن مؤسسات التعليم (المدارس والمعاهد والمراكز والأكاديميات والكليات والجامعات). بمعنى أن التوجه للتعليم عن بُعد كان خياراً فريداً وإرادة ذاتية، خصوصاً لدى كبار السن من أجل زيادة المعرفة والتحصيل العلمي والتنمية الفكرية، وليس الحصول على ديباجة (شهادة)، تؤمن له وظيفة يفاجئك بعدها أنه موظف في الصيدلية التي جوار منزلك، ولا يتردد أن يصرف لك الدواء مجتهداً بما لديه من محصول يسير من معارف الأونلاين.

قدر لي أن أعمل في الملحقيات التعليمية في الخارج لمدة ثمان سنوات، وكنت من أشد المعارضين لفكرة "التعليم عن بُعد" للطلاب المبتعثين، وكان ذلك الموضوع بمثابة العراك بين الملحقية وبين الجامعات الغربية التي تتبنى وتسرف في تقديم المقررات عن طريق الإنترنت، وتحاول أن تطلق عليها مسميات جذابة، وفي كثير من الأحيان مضللة، من أجل التحايل مثل مصطلح "كورس هجين" أي خليط بين التعليم التقليدي والأونلاين. في يوم من الأيام جاء وفد من أحد الجامعات الأمريكية يرأسه نائب مدير جامعة وبعض العمداء ومديرة القبول. بدأ مدير الجامعة يتحدث عن "التعليم عن بُعد" على أنه خبرة إيجابية للطلاب وله فوائد عديدة. بعد أن أنتهى الحديث أو ربما الترويج للتعليم عن بُعد، سألت الوفد لماذا هم اليوم في مقر الملحقية ؟ حيث كان بإمكانهم مناقشة الموضوع عبر الهاتف أو من خلال رسالة بالبريد الإلكتروني (الإيميل)، ثم بادرت بالإجابة أن الموضوع هام بالنسبة لهم وربما متشعب أيضاً، ولهذا تكرموا بالحضور. وكذلك الأمر بالنسبة لأبنائنا المبتعثين، فالتعليم مهم بالنسبة لهم، وبالنسبة لنا، وبالنسبة لأسرهم، وبالنسبة للوطن، ولهذا الجميع يريدهم أن يذهبوا للجامعة لتحصيل ذلك الأمر الهام والمتشعب. والحق أن وجهة النظر هذه لم تقنعهم بقدر ما أفحمهم المنطق القائل بأن الطالب السعودي قد تغرب عن وطنه وترك عائلته وقطع آلاف الأميال ليتعلم في قاعات ومعامل الجامعة، لا أن يتعلم من خلال الكمبيوتر وهو جالس في شقته. بدى لي أن الوفد لم يقتنع لأن أعين تلك الجامعة على المادة (العوائد المادية) وليس على ما يمليه العقل والمنطق. بدليل أن المادة (الفلوس) أينما حلت أفسدت العلاقة، حتى بين الأخوة الأشقاء. لهذا يقول المثل الفرنسي لا تدخل في تجارة مع صديق لأنك قد تخسر مالك وتخسر صديقك.

كورونا اليوم تكشف واقع "التعليم عن بُعد" (أونلاين)، وتضع هذه الحقيقة في مكانها الطبيعي، بعيداً عن مجرد التجارب العابرة؛ وتظهرها في صورتها الصادقة دون ازالة التشويهات وإضافة التحسينات.

هناك جامعات منتشرة حول العالم تمثل "وباء" لتدمير العملية التعليمية بهدف الربح الرمادي، أي زيادة نسبة الأرباح من خلال تقليص نسبة المصروفات. ستبقى تلك المؤسسات التجارية (الجامعات) موجودة، لكن بقاءها لا يعني النجاح. فالأبحاث المرموقة التي تخدم البشرية، والعقول الفذة لا تتخرج ولن تتخرج من تلك الأماكن الموبوءة، التي لا يلجأ لها إلا أصحاب مبدأ المال يجلب كل شيء ! والغاية تبرر الوسيلة !

بغض النظر عن وجود جامعات غربية تتبنى سياسة "التعليم عن بُعد"، تبقى تلك الجامعات غير موثوقة، ويستحيل أن تنافس الجامعات المرموقة، أو حتى الجامعات الأقل. ليس كل ما في الغرب نماذج مثالية يصلح أن تحتذى. هناك آلاف العلماء والباحثين والأكاديميين في أمريكا، لكن في المقابل هناك ملايين المدمنين والمروجين في المجتمع الأمريكي، يشكلون مشكلة اجتماعية كبيرة، وعبئ اقتصادي على الدولة. فأي النماذج نختار ؟


جامعة الإمارات العربية المتحدة

 0  0  363


جديد المقالات

بواسطة : د.عبدالله بن محمد السبيعي

. . . في كل عام في مثل هذه التاريخ تمر بنا ذكرى...


بواسطة : محمد بن عبدالله الحسيني

. . . . اليوم الوطني السعودي المجيد في دورته...