• ×

11:48 مساءً , الأربعاء 30 نوفمبر 2022

محمد بن عبدالله الحسيني
بواسطة  محمد بن عبدالله الحسيني

هل نفكر بعقل قبل أن تقع الفأس بالرأس؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
جاءت موافقة مجلس الشورى على دراسة مقترح لرفع سن التقاعد إلى 62 سنة لتؤكد مجدداً على عمق التحديات التي يشكلها التقاعد المبكر لأنظمة التقاعد في المملكة، وهي مشكلة كبرى، حيث يعتقد البعض أن تقاعده قبل السن القانونية المعمول بها لا يؤثر في شيء، في حين أن هذا النمط من التفكير السلبي قد يجعل المؤسسات القائمة على توفير الأمان المستقبلي له ولغيره من الموظفين عاجزة عن توفير الأموال اللازمة للصرف على المعاشات، وهو ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة بصفة عامة.

والملاحظ أن المملكة ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من خطر التقاعد المبكر، فمعظم الدول الأجنبية تشترك معنا في هذا الأمر، وكثير منها يمتاز بالتقدم والازدهار الاقتصادي، وقد اتخذت أسلوب رفع سن التقاعد للسيطرة أو كبح جماح الراغبين في التقاعد، فعلى سبيل المثال يصل سن التقاعد في الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وألمانيا إلى 67 سنة، في حين يصل في إيطاليا إلى 68 عاماً، ولا يقل في بريطانيا عن 65 عاماً، وفي بعض الدول النامية مثل كازخستان وأذربيجان لا يقل سن التقاعد عن 63 سنة، ما يعني أن المملكة تعد أقل بالمقارنة من تلك الدول في حساب التقاعد، وهو ما لا يراه الكثيرون عندما يتحدثون عن التقاعد المبكر كحدث مُسلم به.

وللتأكيد على ما نقوله يكفي أن نشير إلى أن الهزة الاقتصادية العنيفة التي تعرضت لها اليونان كانت بسبب المعاشات التي تُصرف دون وجود تمويل كاف لها، وهو ما حصل أيضاً في ولاية ميتشغان الأمريكية، وهو ما كاد يحصل في فرنسا لولا أن تدخلت الحكومة في آخر لحظة بتعديلات قاسية على نظام التأمين الاجتماعي أدت إلى تقليص المنافع ورفع سن التقاعد.

وحتى تتضح الصورة أكثر سنطرح هذا المثال الواقعي:

تخرج عبدالمجيد من الجامعة في سن الثالثة والعشرين بتخصص إدارة الأعمال، وعرضت عليه إحدى الشركات الكبيرة المحلية وظيفة براتب قدره 5000 ريال وعلاوة سنوية بمعدل 6%، فكم سيكون مجموع مبلغ الاشتراكات التي دفعها عبدالمجيد طيلة حياته الوظيفية وقدرها 9% من أجره الشهري، وأيضاً الاشتراكات التي دفعتها الشركة عنه بنفس النسبة، مع عوائد استثمار تلك المبالغ بعائد مناسب ؟

الإجابة على السؤال اقتضت عرض المثال على خبير مالي له باع طويل بمسائل الاستثمار والادخار، وقد افترض بحسب خبرته ألا يزيد العائد عن 6% سنوياً تحسباً للتقلبات التي يتعرض لها الاقتصاد بشكل دوري خصوصاً وأن المدة التي نتحدث عنها تقارب الأربعين عاما.

وكانت النتائج كما يلي:

في سن الستين سيكون المبلغ المتجمع لعبدالمجيد من اشتراكات وعوائد استثمار حوالي 3.25 ملايين ريال.. وسيكون مبلغ المعاش الذي يستحقه عند سن التقاعد 39.5 ألف ريال شهرياً، وحيث إن معدلات الحياة في المملكة تبلغ 74 سنة ميلادية (أي ما يقارب 76 سنة هجرية) فمن المتوقع أن يستلم عبدالمجيد المعاش لمدة 16 سنة وتكون قيمتها الإجمالية عند سن التقاعد 4.8 ملايين ريال تقريباً، أي أن ما سيستلمه عبدالمجيد يزيد عما تم ادخاره بحوالي 1.55 مليون ريال، وهذه بلا شك فجوة تمويلية كبيرة، وبالطبع فإن المعاش سيصرف لأفراد عائلته بعد وفاته لعدد من السنوات قد يفوق العشر سنوات، مما يزيد وبشكل كبير من الفجوة التمويلية!! وإذا افترضنا أن المعاش بدأ قبل سن الستين (التقاعد المبكر) فلا شك أن ذلك سيزيد وبشكل كبير جداً من التكلفة لأن اشتراكات عبدالمجيد ستتوقف وستبدأ عملية الصرف في وقت أبكر وبالتالي تكون مدة الصرف أطول، والسؤال المطروح هنا عن من الذي سيدفع الفرق وقتها؟ المؤكد أن أبناءنا هم من سيدفعونه حيث إنه إذا لم يتم إصلاح أنظمة التقاعد في القريب العاجل فلن تتمكن تلك الأنظمة (وفق هذه المعطيات) من صرف المعاشات، وبالتالي ستضطر إلى إنقاص المعاشات أو زيادة الاشتراكات.. أما عوائد الاستثمار فستكون خارج المعادلة إذ لا أحد يمكنه التحكم فيها كونها تخضع للظروف والتغيرات الاقتصادية. وليست شيئاً يمكن التحكم فيه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغطي العجز الموجود حتى لو افترضنا عوائد استثمار خيالية.

إذاً ماذا عن العلاج؟.. أعتقد أن الحد من التقاعد المبكر ورفع سن التقاعد من أهم وأكبر الخطوات العلاجية، كما أن الدعوة التي يقودها بعض المهتمين وذوي الخبرة لإنشاء صناديق احتياطية لأنظمة التقاعد، قد تكون البداية لإيجاد حل عملي وواقعي لدرء الأخطار عن المتقاعدين أنفسهم، وكذلك الأجيال المقبلة، وإن كان هذا الحل يحتاج إلى دراسات متعمقة حتى تكون تلك الصناديق دعامة فعلية لصناديق المعاشات التقاعدية، وحتى لا تشكل عبئاً مضاعفاً على الأنظمة المعمول بها فتتحول من منقذ إلى معرقل جديد.

فهل نفكر بعقل بعيداً عن العاطفة قبل ان تقع الفأس بالرأس؟

 0  0  1.7K


جديد المقالات

بواسطة : محمد عبدالله الحسيني ،

في مباراة اليوم فعلنا كل شيء، في شوط المباراة...


بواسطة : محمد بن عبد الله الحسيني

. بعد ثماني سنين - بإذن الله - يكمل وطننا المبارك...